محمد أبو زهرة
3891
زهرة التفاسير
والاتجاه الثاني : أن النفي واقع على الرؤية ، وعلى هذا يكون هناك عمد ، ولكن لا ترى ، فاللّه سبحانه وتعالى قد أوجد تماسكا بين السماء والأرض بالجاذبية ، وكأنها عمد ولكنها لا ترى ، وبهذه الجاذبية ، وهذه الجاذبية كأنها العمد التي لا ترى . والاتجاهان يحتملهما اللفظ ، وهما صادقان ، وأميل إلى الاتجاه الثاني ، ورجح ابن كثير الاتجاه الأول ، وكلاهما فيه قدرة اللّه تعالى الجلية واضحة ، والعمد ( بفتح العين وضمها ) جمع عماد أو عمود ، وهي الأسطوانة التي يقام عليها السقف المرفوع . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ( ثم ) هنا لبيان مراتب الخلق في ستة أيام ، أي أدوار كما مضى القول في ذلك في سورة الأعراف ، فإنه بعد أدوار الخلق التي تمت بإرادة اللّه تعالى ، والاستواء على العرش كمال سلطانه في الكون ، كما يستوى الملك العادل على عرش ملكه ، وللّه المثل الأعلى ، وما مثلنا إلا للتقريب ، فلا مساواة ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي ذللهما في حركتهما وسيرهما في مداريهما ، فكل له مدار ، وكل له خواصه ، فالشمس هذا الضياء المشرق الذي يملأ الوجود حرارة يكون بها الأحياء والأزهار والأشجار . والقمر يستمد نوره من ضوء الشمس ، ولأشعته الصافية المستمدة يكون السير ليلا ، ويؤثر في النفوس ، وفي البحار بالجزر والمد ، وفي الأحياء ، فيكون الحمل والإرضاع تابعين لأدواره . كُلٌّ في قوله تعالى : كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي لأجل معين ينته عنده ذلك الأجل الذي حد له ، وقد قال البيضاوي في ذلك عند قوله تعالى : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ذللهما لما أراد منهما كالحركة المستمرة على حد من السرعة ينفع في حدوث الكائنات وبقائها . كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى لمدة معينة يتم فيها أدواره ، أو لغاية مضروبة دونها سيرها وهي : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( 1 ) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ( 2 ) [ التكوير ] « 1 » ، أي أن الأجل المسمى يفسره بتفسيرين :
--> ( 1 ) تفسير البيضاوي : ج 1 / 316 .